عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

185

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

القيامة ، ونسبة تنوّع عذابها وزيادته ونقصانه نسبة قوّة تمكن المجاهدات والرياضات والمخالفات فيمن تمكنت الطبيعة النفسانية فيه حتى أنها لا تزول إلا بعد تعب كثير ، بخلاف من لا تتمكن منه الطبيعات كل التمكن ، فهو كمن عذّب أدنى عذاب ، وأخرج من النار إلى الجنة . ولقد أخبر الروح الذي أنبأني بهذه العلوم أن تلك الأمور التي زالت بدوام المجاهدات والرياضات والمخالفات هي حظّ أهل اللّه من قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا « 1 » فلا يجوزون بعدها على نار جهنم لطفا من اللّه بهم وعناية ، لئلا يعذب عبده بعذابين ، ولا يهوله بهولين ، أقام له هذا المشاق التي تحصل عليه في الدنيا عوضا عن عذاب غيره في الآخرة ، ويدلّ على ما قلناه الحديث المروي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الحمى حظ كل مؤمن من النار » « 2 » فإذا كانت الحمى تقوم مقام النار فكيف لك بالمجاهدات والرياضات والمخالفات التي هي أشدّ من كل شيء إلى أن تتزكى النفس ، فلأجل ذلك سماها النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : بالجهاد الأكبر ، وسمي الضرب بالسيف جهادا أصغر . ولا خفاء أن الحمى أسهل من ملاقاة العدوّ والضرب والطعن والحرب ، وجميع ذلك جهاد أصغر في جنب المجاهدات والمخالفات التي يقاسيها أهل اللّه . واعلم أن اللّه تعالى لما خلق النار من اسمه القهار جعلها مظهر الجلال ، فتجلى عليها سبع تجليات فصارت تلك التجليات أبوابا لها معان . التجلي الأول : تجلى عليها باسمه المنتقم فانفتح فيها واد له ثلاث مئة وستون ألف درك بعضها تحت بعض تسمى لظى ، خلق اللّه باب هذا الوادي من ظلمة المعصية والذنب وهو الجرم فهو محل أهل المعصية ، والذنب الذي ليس لمخلوق فيه حق وهو أمر بين اللّه وبين عبده ، كالكذب والرياء واللواط وشرب الخمر وترك الأوامر المفروضة والتسهيل في حرمات اللّه تعالى ، فهؤلاء هم المجرمون قال اللّه تعالى : يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ * كَلَّا إِنَّها لَظى * نَزَّاعَةً لِلشَّوى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى يعني أدبر عن طاعة اللّه وتولى عن ذكره وَجَمَعَ فَأَوْعى « 3 » يعني من المعصية ، والذنب عذاب أهل هذه الطبقة ، وهو مع شدّته أخفّ

--> ( 1 ) آية ( 71 ) سورة مريم . ( 2 ) الإتحاف 9 / 529 ، وكنز العمال ( 6745 و 6747 ) ، والصحيحة ( 1821 ) . ( 3 ) آية ( 18 ) سورة المعارج .